السيد محمد باقر الصدر

121

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

أخرى ، نتيجة لارتباط إحداهما مع الأخرى بعلاقة من تلك العلاقات ، وهذا ما يسمّى بالتداعي . وتلك العلاقات التي تؤدّي إلى التداعي وانتقال الذهن من فكرة إلى فكرة أخرى هي التشابه ، والتجاور في الزمان أو المكان ، والعلّة والمعلول . وعلاقة العلّة والمعلول هي أهمّ تلك العلاقات ؛ لأنّها تمتاز عن العلاقتين الأخريين بأ نّها لا تقع إلّاعلى حدّ واحد ، فتنتقل منه إلى حدّ آخر . أو بعبارة أخرى : تثير بوقوفها على الحدّ الأوّل التفكير في الحدّ الثاني . فمثلًا إذا رأينا الماء على النار ، فسوف تثير علاقة العليّة في ذهننا فكرة حرارة ذلك الماء ، رغم أنّنا لا نملك أيّ انطباع عن تلك الحرارة . وإنّما نملك انطباعاً عن حدّ واحد ، أي عن أحد طرفي علاقة العلّة والمعلول ، وهو كون الماء على النار . وهذا معنى أنّ علاقة العليّة تقع على حدّ واحد ، وتنقل بالذهن إلى الحدّ الآخر ، أي الطرف الآخر لعلاقة العلّة والمعلول ، وإن لم نحصل منه على أيّ انطباع سابق . وتختلف عن ذلك علاقة التشابه أو علاقة التجاور ؛ لأنّ هاتين العلاقتين وإن كانتا تنقلان الذهن من فكرة الشبيه أو المجاور إلى فكرة شبيهه ومجاوره ، ولكنّ كلتا الفكرتين لهما انطباع سابق . فنحن حين نرى شخصاً كنّا نراه فيما سبق يسير باستمرار إلى جانب صديق له ، ينتقل ذهننا إلى فكرة ذلك الصديق ، ولكنّ هذا الصديق بنفسه كان قد مثل أمام الحسّ ، ونشأت فكرتنا عنه من انطباع سابق . فهكذا نلاحظ أنّ علاقة العليّة وحدها هي القادرة على أن تنقل ذهننا إلى فكرة شيء لم يسبق أن مثل لحواسّنا . وعلى هذا الضوء تعتبر هي الأساس لكلّ الاستدلالات المختصّة بالواقع كما أشرنا سابقاً .